أحمد بن يحيى العمري
132
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
يسكن إلى سكن ، ولا تقيد بموضع سكن ، وكانت الأفلاك له مكان الاستقلال ، فجانب الدنيا فلم يرمقها إلا شزرا ، ولم يرم منها إلا نزرا ، وألقى أثقالها تخفيفا لمحمله ، وتخليصا له عند عرض عمله ، فخلّصها مما كادها ، وخفف عنها مادها ، ولم يزل على قدم ما سألها ، وحول ديم ما يفارق أوشالها « 1 » ، إلى أن دعاه الداعي ، وأصم به الناعي . أصله من " بلخ " « 2 » ، لكنه أخرج منها بسبب المذهب ، فرحل إلى سمرقند ، واستوطنها ، ومات بها سنة تسع عشرة وثلاثمائة . « 3 » صحب أحمد بن خضرويه وغيره من المشايخ . وكان من كبار مشايخ خراسان « 4 » وجلّتهم ، ولم يكن أبو عثمان يميل إلى أحد من المشايخ ميله إليه . وكان يقول : لو وجدت في نفسي قوة لرحلت إلى أخي محمد بن الفضل ، فأستروح سري برؤيته . « 5 » وكان أبو عثمان يقول : محمد بن الفضل سمسار الرجال . « 6 »
--> ( 1 ) الوشل : الماء القليل " القاموس مادة وش ل " . ( 2 ) بلخ : مدينة مشهورة بخراسان ، من أجمل مدنها ، وأشهرها ذكرا ، وأكثرها خيرا ، بينها وبين ترمذ اثنا عشر فرسخا ، على الشاطئ الجنوبي لنهر جيحون ، على رافده دهاس ، وقد كانت بلخ القصبة السياسية لولاية خراسان القديمة ، ثم أصبحت المركز الثقافي والديني لمملكة طخارستان . انظر : مراصد الاطلاع 1 / 168 . ( 3 ) طبقات الصوفية للسلمي 212 . ( 4 ) خراسان : بضم الخاء ، بلاد واسعة ، أول حدودها مما يلي العراق : أزاذوار ، قصبة جوين ، وبيهق ، وآخر حدودها ، مما يلي الهند : طخارستان ، وغزنة ، وسجستان ، وكرمان . وليس ذلك منها . إنما هو أطراف حدودها ، وتشتمل على أمهات المدن ، منها : نيسابور ، وهراة ، ومرو ، وكانت مرو قصبة خراسان ، وبلخ ، وطالقان ، ونسا ، وأبيورد ، وسرخس ، وما يتخلل ذلك من المدن التي دون نهر جيحون ، ومن الناس من يدخل أعمال خوارزم فيها ، وبعد ما وراء النهر منها ، وليس الأمر كذلك ، وقد فتحت أكثر هذه البلاد ، عنوة وصلحا ، سنة إحدى وثلاثين ، في أيام سيدنا عثمان ابن عفان رضي الله تعالى عنه ، بأمارة عبد الله بن عامر بن كريز . انظر : معجم البلدان 2 / 409 وما بعدها . ( 5 ) طبقات الصوفية 214 / 4 ، وفي تاريخ الإسلام 23 / 550 : " فأستروح بروايته " ، ولعل رواية السلمي أصح ، والله أعلم . ( 6 ) أي يعرف أقدارهم ورتبهم في الدين ، كما يعرف سمسار السلع قدرها وقدر أثمانها . والخبر في الرسالة القشيرية 1 / 129 ، وطبقات ابن الملقّن 300 .